عريان الروح، سالما في طريق الأبد. وشدّة دستور الحفظ والمحافظة في الماديات التي الأصلُ فيها الفناء، تدل بالحدس القطعي وبالطريق الأَولى على جريان ذلك القانون الباقي في المعنى والنور والروح الواحد البسيط، التي الأصلُ فيها البقاء.

اعلم أن عظمة الألوهيّة وعزّتَها واستقلالَها تستلزم دخولَ كلِّ شيء -مطلقا: عظيما أو حقيرا، أعظمَ الأشياء وأخَسَّها- تحت تصرفها. فخستُك وحقارةُ أحوالك لا تستلزم خروجَك. (6) إذ بُعدُك لا يستلزم بعدَه، وحقارة صفتك لا تستلزم حقارةَ وجودك. وتلوث وجه المُلك فيك، لا يستلزم تلوثَ ملكوتك.. وكذا لا تستلزم عظمةُ الخالق خروجَ الحقير عن تصرفه، إذ العظمةُ الحقيقية تستلزم الإحاطةَ، والانفرادَ في الإيجاد.

اعلم أن المادي الكثيف كلّما تعاظم تباعدَ عن الدقائق والخفايا وتقاصر يدُه عنها. وأما النور فكلّما تعاظم وتعالى كان أتمَّ نفوذا في الخفايا والدقائق. وكلما كان النور ألطفَ كان أكشفَ لباطن الشيء كشعاع «رونتكن». فإذا كان هذا هكذا في الممكن المسكين والكثرة المشوشة، فكيف بنور الأنوار من طرف الوجوب والوحدة العالِمِ بالأسرار ومدبّر الليل والنهار؟ فعظمتُه تستلزم الإحاطةَ والنفوذ والشمول.

اعلم وانظر إلى كمال مراعاة القرآن ومماشاته وتأنيسه لأفهام جمهور العوام الذين هم الأكثر المطلق؛ إذ يَذكر في المسألة ذاتِ الدرجات الدرجةَ القريبةَ إليهم، والصحيفةَ الواضحة لنظرهم، وإلّا لزم أن يكون الدليل أخفى من النتيجة. فالقرآن يذكر الأشياء الكونية للاستدلال على صفات الخالق جلّ جلاله. فكلما كان أظهرَ لفهم الجمهور كان أوفق للإرشاد.

مثلا: يقول:

﴿ وَمِنْ اٰيَاتِه۪ خَلْقُ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافُ اَلْسِنَتِكُمْ وَاَلْوَانِكُمْ ﴾ (الروم:٢٢) مع أن خلفَ طبقة الألوان مسافاتِ تعيّناتِ الوجهِ كما أُشير إليها في «ذرّة» ويقول: ﴿ اِنَّ ف۪ي خَلْقِ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَاٰيَاتٍ ﴾ (آل عمران:١٩٠) مع أن تحت صحيفة الليل والنهار المقروءة بأول النظر عجائبَ نقوشِ تحريكِ الأرض على نفسها وتدويرها حول الشمس. ويقول: ﴿ وَالْجِبَالَ اَوْتَادًا ﴾ (النبأ:٧) مع أن تحت ما يُرى من صورة سفينة الأرض وخيمتها المرساة المربوطة بالعمد والأوتاد تسكينَ غضب الأرض التي ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ