أما الجمال بمحاسنه وجلواته فثابتٌ بكمال حشمته في تجدد شؤونه وتعدد مراياه. وأما المرايا والمظاهر فتظهر لوظيفتها وهي راقصةٌ، فإذا تمت الوظيفةُ استترت وهي ضاحكة.

كذلك أنت، قاعد على ساحل بحر الدنيا تتألم باكيا على أُفول ذوي الكمال والجمال والحسن، وعلى زوال ثمرات النِّعم عند انقضاء أوانها، تزعم بالغفلة أن الجمالَ مِلكُ ذي الجمال والثمرات مال الشجرة، وتغتصبهما منهما عاصفات التصادفات فتلقيهما في ظلمات العدمات. أفلا تعقل أن من نوّر ما تحبه بنور الحُسن هو الذي نوّر كلَّ أزاهير بستان الكائنات وشوّق عليها قلوب البلابل العاشقين.

إلى كم تبكي أيها المسكين على زوال ما في يدك من الثمرة! فانظر إلى تواتر نِعَم فالق الحب والنوى في إبقاء شجرة تلك الثمرة.. ثم إلى دائرة إنعاماته في أقطار الأرض من أمثال تلك الشجرة إن عقمت.. ثم إلى دائرة تجدد إحساناته في تجدد الفصول والسنين إن صارت سنتُك شهباء.. ثم إلى دائرة إدامة إحسانه حتى في عالم المثال والبرزخ بأمثال ما شاهدتَ في عالم الشهادة.. ثم إلى دائرة إنعاماته الواسعة الأبدية في عالم الآخرة بأشباه ما استأنستَ به في حديقة الأرض، ثم.. و.. ثم.. وهكذا! فلا تنظر إلى النِّعمة بالغفلة عن الإنعام حتى تحتاجَ إلى التشفي بالبكاء، بل انظر من النِّعمة إلى الإنعام ودوامِه، ومن الإنعام إلى المُنعِم ووسعةِ فيضه وكمالِ رحمته، فاضحك شاكرا له، وبفضله فافرح.

وحتى متى تدمع عينُك ويجزع قلبُك على فراق جمالٍ زالَ! فانظر إلى كثرةِ ووسعة الدوائر المتداخلة المحيطة بما تحبه؛ تنسيك ألمَ فراقه بإذاقة لذةِ تجدُّد أمثاله وترادفِ أشكاله. وتلك الدوائرُ المتفاوتة صغرا وكبرا إلى أصغرَ من خاتمِك وأكبرَ من منطقة البروج، وزوالا وبقاءً إلى آنٍ ودقيقة وإلى دهر وأبدٍ؛ مظاهرُ ومرايا ومعاكسُ ومجاري لجلواتِ ظلالِ أنوارِ جمال ذي الجلال والإكرام الأزلي الأبدي السرمدي القيوم الباقي المقدَّس عن الحدوث والزوال المنزّه عن التغيّر والتبدل. فلا تظنن أن ما في المرآة مُلك للمرآة، كي لا تبكي على ما في المرآة بموتها وانكسارِها، فارفع رأسَك عن الدنيا بخفضه إلى منظار قلبك لترى شمسَ الجمال، فتعلمَ أنّ كلَّ ما رأيتَ وأحببت إنما هو من آياته نِعَمٌ.. ومن آيات جماله أنْ زيّن السماء بمصابيحها والأرضَ بأزاهيرها.. ومن آيات حُسنه أنْ خلق الإنسانَ في أحسن تقويم.. وأن