فإذا سمعت من ذاك: سبحانه ما أعظمَ شأنه! سمعت من هذا أيضا: سبحانه ما أدق حكمته وما ألطف صنعته! فإذ تساوى القرآنان، واقتضت الحكمةُ تكثيرَ نسخ أحدهما -وتكثيرُ نُسَخ الكبير لا يفيد الناظرين- فلا بد من تكثير نسخ الصغير للمطالعين المتفكرين الغير المحدودين، من المَلَك والجن والإنس وغيرهم. وفي تكثير النسخ لا يبقى الكتاب كتابا واحدا، بل تتنوع الكتب وتتفاوت الفوائد وتتعدد المفاهيم، فتتلاحق الأمثالُ فيتزايد الحُسن والجزالة. ولولا إدراجُ كثير من سور الكتاب الصغير ونُسَخه في بعض حروفات القرآن الكبير لفاق الصغير على الكبير بدرجة صغره!

ومنها أيضا: أن أتم التجليات؛ تجلي الأحدية. وأكملَ الصنعة؛ إدراجُ الأكبر بتمام نقوشه في الأصغر. وأن الثمرة والنواة بالنسبة إلى النبات، وأن النبات والحيوان بالنسبة إلى الأرض، وأن الإنسان والنبي بالنسبة إلى العالم. وأن القلب والسر بالنسبة إلى الإنسان..أنموذج مختصٌر جامعٌ مُظهِرٌ لجميع الأسماء المتجلية على الأصل والكل والمحيط.

وأن الثمرة -مثلا- كما أنها «جزء» من الشجرة وهي «كلُّها»، فتشير من هذه الجهة إلى الواحدية.. كذلك ك«الجزئي» لها تشتمل على تمام الشجرة وهي «كلّيها» فترمز بهذه الجهة إلى الأحدية.. فالواحدية شاهدة الوحدة عند تجلي الأحدية في مرايا الكثرة والجزئيات.

مثلا، - ﴿ وَلِلّٰهِ الْمَثَلُ الْاَعْلٰى ﴾ -: إن الضياء المحيطَ في النهار مثالُ الواحدية، وتمثال الشمس في كل ذرة شفافة وقطرةٍ وحوضٍ وبحرٍ ونجوم سيارة مثال لتجلي الأحدية. فإذا رأيت الشمسَ في مرآتك بلَون مرآتك، وبما تقتضيه وضعيتّها، ثم رأيتَها في مرايا أخرى، فتنظر إلى الضياء، فيشهد لك بالوحدة، وأن لا كثرةَ في المتجلّي، كما تتوهم. وتنشد الكثرة والمرايا:

عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ


فيُتحدس من هذه الأسرار، أن الفاطر الحكيم -جلّت حكمته، ودقّت صنعته- متوجهٌ بألطف قدرته وأتمّ عنايته وأكمل رحمته وأدق حكمته من العالم إلى الأرض، ومنها إلى ذوى الحياة، ومنهم إلى الإنسان، ومن فرد الإنسان إلى قلبه، ومن نوع الإنسان إلى ما هو قلبُ النوع وقلبُ العالَم ونواتُه التي خُلق العالَمُ عليها، وثمرتُه المنوّرة التي انتهى إليها مخلوقا لأجلها،