مثلا: إذا شاهدتَ قصرا عجيبا يُبنَى من جواهرَ غريبةٍ لا يوجد وقتَ البناء بعضُ تلك الجواهر إلا في الصين، وبعضها إلاّ في فاس، وبعضها إلّا في اليمن، وبعضها إلّا في سيبيريا، وهكذا.. أفلا تشهدُ أن ذلك القصر بناءٌ يبنيه مَن يحكم على كرة الأرض ويجلب من أطرافها ما يريد في أسرع وقت؟
وهكذا؛ كلُّ حيٍّ بِناءٌ، وكلُّ حيوان قصرٌ إلهي، لاسيما أن الإنسان من أحسن تلك القصور، ومن أعجبها، لأنه امتدت حاجاتُه إلى الأبد، وانتشرت آمالُه في أقطار السماوات والأرض، وشرعت روابطهُ في ما بين أدوار الدنيا والآخرة. فيا هذا الإنسان، لا يليق بك ولا يحق لك وأنت تحسَبك إنسانا أن تدعوَ وتعبدَ إلّا مَن يَحكم على الأرض والسماء ويملك أزمةَ الدنيا والعقبى!
اعلم (6)يا قلبي أن الأبله الذي لا يعرفُ الشمسَ إذا رأى في مرآةٍ تمثالَ شمس، لا يحب إلا المرآة ويحافظ عليها بحرص شديد لاستبقاء الشمس، وإذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة ولا تفنى بانكسارها، توجَّه بتمامِ محبتِه إلى الشمس؛ إذ ما يشاهَد في المرآة ليس بقائم بها، بل هو قيومُها. وبقاؤه ليس بها، بل بنفسهِ.. بل بقاءُ حيوية المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتِها، إذ هي قيومُها. يا هذا قلبُك وهويتُك مرآةٌ، فما في فطرتك من حُب البقاء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها.. فقل: «يا باقي أنت الباقي، فإذ أنت باقي فليفعل الفناءُ بنا ما شاء فلا نبالي بما نلاقي».
اعلم (7) يا أيها الإنسان! إنّ من غرائب ما أودع الفاطرُ الحكيم في ماهيتك أنه قد لا تَسعك الدنيا فتقول «أوف» (8) كالمسجون المخنوق، مع أنه تَسعُك خردلةٌ وحُجيرةٌ وخاطرةٌ ودقيقةٌ حتى تفنَى فيها، وتستعمل أشد حسياتك لها.. وأعطاك لطائف بعضُها يبتلع الدنيا فلا يشبع، وبعضها يضيق عن ذرة ولا يتحمل شُعيرة، كما أن العين لا تتحمل شعرة.
فاحذر وخفّف الوطء، وخَف أن تغرقَ ويغرق معك ألطفُ لطائفك في أكلةٍ، أو كلمةٍ، أو شعرة، أو شُعيرة، أو لمعةٍ، أو لحمةٍ، أو بقلةٍ، أو قُبلةٍ.. فإن في كل شيء جهة من عدم
وهكذا؛ كلُّ حيٍّ بِناءٌ، وكلُّ حيوان قصرٌ إلهي، لاسيما أن الإنسان من أحسن تلك القصور، ومن أعجبها، لأنه امتدت حاجاتُه إلى الأبد، وانتشرت آمالُه في أقطار السماوات والأرض، وشرعت روابطهُ في ما بين أدوار الدنيا والآخرة. فيا هذا الإنسان، لا يليق بك ولا يحق لك وأنت تحسَبك إنسانا أن تدعوَ وتعبدَ إلّا مَن يَحكم على الأرض والسماء ويملك أزمةَ الدنيا والعقبى!
اعلم (6)يا قلبي أن الأبله الذي لا يعرفُ الشمسَ إذا رأى في مرآةٍ تمثالَ شمس، لا يحب إلا المرآة ويحافظ عليها بحرص شديد لاستبقاء الشمس، وإذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة ولا تفنى بانكسارها، توجَّه بتمامِ محبتِه إلى الشمس؛ إذ ما يشاهَد في المرآة ليس بقائم بها، بل هو قيومُها. وبقاؤه ليس بها، بل بنفسهِ.. بل بقاءُ حيوية المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتِها، إذ هي قيومُها. يا هذا قلبُك وهويتُك مرآةٌ، فما في فطرتك من حُب البقاء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها.. فقل: «يا باقي أنت الباقي، فإذ أنت باقي فليفعل الفناءُ بنا ما شاء فلا نبالي بما نلاقي».
اعلم (7) يا أيها الإنسان! إنّ من غرائب ما أودع الفاطرُ الحكيم في ماهيتك أنه قد لا تَسعك الدنيا فتقول «أوف» (8) كالمسجون المخنوق، مع أنه تَسعُك خردلةٌ وحُجيرةٌ وخاطرةٌ ودقيقةٌ حتى تفنَى فيها، وتستعمل أشد حسياتك لها.. وأعطاك لطائف بعضُها يبتلع الدنيا فلا يشبع، وبعضها يضيق عن ذرة ولا يتحمل شُعيرة، كما أن العين لا تتحمل شعرة.
فاحذر وخفّف الوطء، وخَف أن تغرقَ ويغرق معك ألطفُ لطائفك في أكلةٍ، أو كلمةٍ، أو شعرة، أو شُعيرة، أو لمعةٍ، أو لحمةٍ، أو بقلةٍ، أو قُبلةٍ.. فإن في كل شيء جهة من عدم