للأصل أيضا، بدليل انتقالها إلى الفطوغراف، دون النورانية الخالصة، وفي غير الخالصة تنتقل هويةُ صورتها المادية فقط.

وأما تماثيل النورانيات فمتصلةٌ حُكما، ومرتبطةٌ حقيقة، ومالكةٌ لخواص الأصل، وليستْ غيرا له. فلو جَعل الفاطرُ جلّ جلاله حرارةَ الشمس حياتها، وضياءها شعورَها، وألوان الضياء حواسَّها؛ لتكلمت الشمسُ معك في قلب مرآتك التي في يدك، كتلفونك ومرآة قلبك. إذ مثالها الذي في يدك له أيضا بمقدار استعداده حرارةُ حياةٍ، وضياءُ شعورٍ، وألوانُ حواسٍ. ومن هذا السر يطّلع النبي ﷺ الذي هو النور النوراني على صلواتِ كلِّ مَن صلّى عليه في آن واحد. ومن هذا السر ينفتح مغلقات أسرار. (22)

اعلم أن «سبحان الله والحمد لله» يتضمنان التوصيفَ بصفات الله: الجلالُ بالأول.. والجمال بالثاني. ف«سبحان الله» ينظر إلى بُعد العبد والممكن عن الله الواجب الوجود العلي العظيم. و«الحمد لله» ينظر إلى قُرب الله بالرحمة واللطف إلى العبد ومخلوقاته. فكما أن الشمسَ قريبةٌ منك تُوصل حرارتَها وضياءها إليك وتتصرف فيك بإذن خالقها، الذي صيّرها مرآةً لجلوة اسمه «النور» وظرفا لنِعَمه التي هي الحرارة والضياء مع أنك بعيدٌ عنها لا يصل يدُك إليها، وأنت بالنسبة إليها قابلٌ فقط لا فاعلٌ ولا مؤثر.. كذلك - ﴿ وَلِلّٰهِ الْمَثَلُ الْاَعْلٰى ﴾ - إن الله جلّ جلاله قريبٌ منا فنحمده، ونحن بعيدون عنه فنسبّحه. فأحمدْه وأنت تنظر إلى قُربه برحمته. وسبّحه وأنت تنظر إلى بُعدك بإمكانك. ولا تخلط بين المقامين، ولا تمزج بين النظرين، لئلا يتشوش عليك الحقُّ والاستقامة. لكن يمكن لك -بشرط عدم الالتباس والمزج- أن تنظر إلى القرب في جهة البُعد.. وإلى وجه البُعد في جهة القرب.. وإلى الوجهين معا فتقول: «سبحان الله وبحمده»..

اعلم يا طالب الدنيا! لابد أن تتركها (23) لأمور أربعة:

أولا: فلأنها سريعة الزوال، وألمُ الزوال مذلّ ومزيل للذة الوصال.

وأما ثانيا: فلأن لذائذَها منغَّصة بآلامٍ مقارِنة وأكدارٍ متعاقبة.