اعلم أن مثلَك -وقد تصيب رأسَك المصائبُ المرماةُ «بالقدر»- كمثل أغنام مُرسَلة في المرعى، يراها الراعي قد تجاوزت، فيرمي الأحجارَ خلفَها لترجعَ، فيقول المُصابُ رأسُه بلسان الحال: نحن تحت أمر الراعي، وهو أعرفُ بنا منا فلنرجع.. فيرجع.. فيرجعون..

فلا تكوني يا نفسي أضلَّ من الغنم! فقولي عند المصيبة:

﴿ اِنَّا لِلّٰهِ وَاِنَّٓا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (البقرة:١٥٦).


اعلم أن من الدليل على أن القلب ما خُلق للاشتغال بأمور الدنيا قصدا؛ أنه: إذا تعلق بشيء تعلّق بشدةٍ، واهتمّ به اهتماما عظيما، ويتطلب فيه أبديةً ودواما.. ويفنى فيه فناءً تاما. وإذا مدّ يدَه يَمُدّ يدا تطيق أن تقبضَ على الصخور العظيمة وتَرفَعَها، مع أن ما يأخذه بتلك اليد من الدنيا، إنما هو تينةٌ أو تبنةٌ أو ريشةٌ أو شعرةٌ أو هباءٌ أو هواءٌ..

نعم، القلب مرآةُ الصمد؛ فلا يقبل حجرَ الصنم بل ينكسرُ به. والعاشقُ المجازي يرى ظُلمَ معشوقه في الأكثر، بسرّ: أن المعشوق بفطرته -بلا شعور- يردّ ولا يرضى ما ليس له بحق، وهو ليس بلائقٍ إسكانه في باطن قلب العاشق.

اعلم أن القرآن أُنزل وأُنزلت به مائدةٌ سماويةٌ، يوجد فيها كل أنواعُ ما تحتاج إليه طبقاتُ نوع البشر المتفاوتين في اشتهاء الأفهام.. في المائدة أطعمة مترتبة، قُدِّمَ أولا في وجهِ السُفرة الإلهية رزقُ الأكثر المطلق والجمهور الأعظم، أي العوام.. مثلا: ﴿ اَنَّ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ (الأنبياء:٣٠) الصفحة الأولى: أي هما رتقاوان، أما هذه فنقيةٌ صحوٌ صافيةٌ. وأما تلك فميتة غبراء يابسة. فازدوَجَتا بإذنه تعالى فأولدت هذه أمطارا وتلك أثمارا. والدليل على هذه الصحيفة: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَٓاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ (الأنبياء:٣٠). وخلف هذه الصفحة والصحيفة انفصال السيارات مع شمسها (11) من عجين المادة التي خُلقَت من نور سيّد الأنام ﷺ. والآية (12) على هذه الصفحة حديث: «أول ما خلق الله نوري..الخ».. (13)