العالم وصفاؤهُ وحُسنهُ وقُبحهُ وضياؤه وظلمته تابعةٌ لذلك المركز. فكما أن الحديقة المرتسمة في المرآة تابعة في أحوالها من الحركة والتغيّر وغيرهما للمرآة، كذلك عالم الشخص تابعٌ لمركزه الذي هو الشخص كالظل والتمثال. فلا تحسبنّ صِغَر جِرمك سببا لصغر جُرمك؛ إذ ذرةٌ من قساوة قلبك، تكدّر (7) عليك نجوم عالمك..

اعلم أن هذه ثلاثون سنة، لي مجادلةٌ مع طاغوتين وهما: «أنا» في الإنسان، و«الطبيعة» في العالم. أما هذا، فرأيتُه مرآةً ظليا حرفيا. لكنْ نظرَ الإنسانُ إليه نظرا اسميا قصديا بالأصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ. وأما هذه، فرأيتُها صنعةً إلهيّة وصبغةً رحمانية.. لكنْ نظرَ البشرُ إليها بنظر الغفلة فتحولت لهم «طبيعةً» فتألّهتْ عند مادييهم. فأنشأتْ كفرانَ النِعَم المنجرّ إلى الكفر.

فلله الشكر والحمد وبتوفيق الأحد الصمد وبفيض القرآن المجيد أنتجت المجادلة قتلَ الطاغوتين وكسرَ الصنمين؛ بالنقطة، والقطرة، والذرة، والشمة، والحبة، والحباب.. فتكشَّفتْ الصنعةُ الشعورية الإلهية والشريعةُ الفطرية الربانية من حجاب الطبيعة الموهومة، وانسلختْ هي منها، أي نهارُها من ليلها. وتَكشّفَ «أنا» عن ظل «هو»، وانشقّ عنه فأشارت ب«هو» إلى مَن: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِه۪ شَيْءٌ ﴾ (الشورى:١١) جلّ جلاله..

اعلم يا «أنا»! لك أمور تسعةٌ في دنياك تعاميتَ عن ماهيتها وعواقبها:

أما جسدُك؛ فكالثمرة المتزهرة المتزينة صيفا، المنكمشة المتفسخة شتاءً.

وأما حيوانيتُك؛ (8) فانظر إلى جنس الحيوان كيف يُسرع فيهم الموتُ والزوال.

وأما إنسانيتُك؛ فمترددة بين الانطفاء والاصطفاء والزوال والبقاء، فاستحفِظْ على ما بقي بما من شأنه أن يبقى بذكر الدائم الباقي.

وأما حياتك؛ (9) فكقامتك قصيرةٌ معيّنةُ الحدود لا تقدَّم ولا تؤخَّر، فلا تتألمْ ولا تحزن ولا تخَفْ عليها ولا تحمّلها ما لا طاقةَ لها به مما تطاول إليه طول الأمل.