مرّ السحاب. فمَن كان في «شمندوفر» (41) يسرع سرعة شديدة، ثم مدَّ يدَه -في وسط الطريق وفي آن السرعة- إلى أزاهيرَ ذات أشواك مفترسة في جانب الطريق، فمزّقت الأشواكُ يدَه.. فلا يلومنّ إلّا نفسَه. فإذا كان هذا هكذا.. فلا تمدنّ عينيك ولا يديك إلى زهرة الدنيا، فإن أشواكَ آلام الفراق تمزّق القلوبَ في آنِ التلاقي؛ فكيف بوقت الفراق!

فيا نفسي الأمارة بالسوء! اعبدي مَن شئت وادْعي ما شئت.. وأما أنا فلا أعبدُ إلّا الذي فطرني واقَتَدَر على أن سخّر لي الشمسَ والقمر والأرض والشجر، ولا أستمدُّ إلا ممن حَملني في طيارة العمر السابح في فضاءِ محيط القَدر، وسخّر لي الفَلكَ الدائر الطائر بين النجوم السيارات، وأركبني في «شمندوفر» الزمان المار كالبرق في أخدود الأرض وتحت جبل الحياة إلى باب القبر في طريق أبد الآباد.. وأنا قاعد بإذنه وتذكرته في «واغون» (42) هذا اليوم المتصل طرفاه بحلقتي الأمس والغد.. ولا أدعو ولا أستغيث إلّا مَن يقتدر على توقيف «جرخ الفَلَك» (43) المحرك ظاهرا لفُلكِ الأرض.. وعلى تسكين حركة الزمان بجمع الشمس والقمر.. وعلى تثبيت هذه الدنيا المتغيرة المتدحرجة من شواهق الوجود في أعماق أودية الفناء والزوال بتبديل الأرض غيرَ الأرض؛ إذ لي آمال ومقاصد متعلقة بكل شيء، تبقى آمالي ملتزقة على ما يمر عليه الزمان، وتذهب عليه الأرض وتفارقه الدنيا، ولي علاقة ولذة بسعادةِ كلِ صالح من أهل السماوات والأرض. ولا أعبد إلّا مَن هو؛ كما يسمع أدقّ هواجس سري ويُصلح لي أرقّ آمالِ قلبي وميوله.. كذلك يقتدر مع ذلك على ما يتمناه عقلي وخيالي من تحصيل السعادة الأبدية لنوع البشر بإقامة القيامة وتقليب الدنيا بالآخرة؛ فيصل يدُه إلى الذرة وإلى الشمس، فلا تتصاغر الذرةُ مختفيةً عن تصرفه، ولا يتكبر كبرُ الشمس على قدرته.. إذ هو الذي إذا عرفتَه انقلبت لك الآلامُ لذائذَ، وبدونه تُنتج العلومُ أوهاما.. والحِكَمُ أسقاما.. بل هي هي.

نعم، وبدون نوره تبكي الوجودات لك إعداما، والأنوار ظلماتٍ، والأحياء أمواتا، واللذائذ آلاما وآثاما، ويصيرُ الأودّاءُ بل الأشياءُ أعداء، وما البقاء بدونه إلّا بلاءٌ، والكمال هباءٌ، والعمر هواءٌ، والحياة عذاب، والعقل عقاب، وتبكي الآمالُ آلاما.