ثم يتحرى ما يسمع من كمالاتِ ذلك الطير الطائر في فضاء العالَم (6) في تلك القشرة اليابسة، لابد أن يغالط نفسه، أو يكذّب. (7) وكذا لو نظر إلى فلقتَي نواةٍ انكشفت عن شجرةٍ تكمّلت وأثمرت، ومددت أغصانها في جو السماء، ثم تحرّى ما قرع سمعَه من عظمتها وثمراتها وأزهارها في تلك القشرة المطروحة في التراب، لابد أن يتبلّه أو ينكر..

كذلك إن مَن نظر إلى صورة ما نقله التواريخ من مبادي ظهور نبيّنا عليه الصلاة والسلام نَظرا ماديا وسطحيا وصوريا، لا يتيسر له دركُه وتقديرُ قيمته ومعرفة شخصيته المعنوية؛ بل لابد أن ينظر إلى ما نقله التواريخ والسِير بنظر قشر رقيقٍ انشقَّ عن قمريٍّ (8) -كقمر- في جو الملكوت. ويرى ما يرى من لوازم البشرية، والأحوال الصورية كقشر نواة انكشفت منها شجرة طوبى المحمدية، التي تُسقى بماء الفيض الإلهي، وتنمو بإمداد الفضل الرباني على مرّ الدهور. فكلما مرّ على سمعه شيءٌ من الأحوال الصورية والمبدئية، فلابد أن لا ينحبسَ عليه ذهنهُ، بل ليرفعْ رأسه بسرعة وفي كل مرة منه إلى ما ترقى وتصاعد إليه الآن مما لا يدرك منتهاه.

وكذا إن ممّا يشط النظر لاسيما نظر المتحرّي الشاكّ، أنه لا يفرق بين المصدرية والمظهرية، بين المنبعية والمعكسية، وبين المعنى الاسمي والحرفي، وبين الذاتي والتجلّي. فكونه عليه السلام عبدا محضا، وأعبدَ خلق الله لله؛ يستلزم أن يُنظَر إليه بأنه مَظهرٌ ومَعكِسٌ لتجلياته تعالى. وكلُّ ما فيه من الكمالات من فيضه تعالى.

نعم، قد ذكرنا مرارا أن الذرة لاتسع مصدريةً ولو رأسَ ذبابة، ولكن تسع مظهريةً ولو نجوم سماوات. ونظرُ الغفلة ينظر أولا وبالذات إلى الذاتي الاسمي والمصدرية، فيتوهم الصنعةَ الإلهية طبيعةً طاغوتية..

اعلم أن الدعاء أنموذج لأسرار التوحيد والعبادة؛ إذ الداعي في نفسه خُفيةً، لابد أن يعتقد سماعَ المدعو لهواجسِ نفسه وقدرتَه على تحصيل مطلبه، فيستلزم هذا الاعتقادُ، اعتقادَ أن المدعو عليمٌ بكلِّ شيءٍ، وقديرٌ على كلِّ شيء.

اعلم أنه كما يمكن دخول هذه الشمس -سراج العالم- في عين الذباب بالتجلي فتتنور،