بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

الحَمدُ لله ربّ العالَمينَ

والصَلاةُ والسَّلامُ على سيّد المُرسلينَ. وعلى آلهِ وَصَحبهِ أجمَعين.

اعلم أيها المؤمن المصلي الذاكر، إذا قلت: «أشهدُ أن لا إلهَ إلّا الله» أو «محمدٌ رسولُ الله» أو «الحمد لله».. مثلا: حكمتَ بحكمٍ، ادّعيتَ دعوى، وأعلنت اعتقادا، يشهد لك في دعواك في آنِ تلفّظِك ملايينُ، وقبلَك ملايينُ ملايينَ من المؤمنين المتكلمين بما تكلمتَ به؛ كأنهم يصدّقونك.. وكذا يؤيدُك في دعواك ويُثبت حكمَك ويزكّي شهداءك كلُّ ما قام على صدق الإسلامية، وكلُّ ما أثبت حُكما من أحكامها، وكلُّ ما استند عليه جزءٌ من أجزاء قَصر الإسلام من الشواهد والبراهين ومسامير الدلائل.. وكذا اندمج في ملفوظك وتوضَّعَ عليه أمرٌ عظيم، ويُمنٌ جسيمٌ من الفيوضات والبركات القدسية.. وكذا اتصل بملفوظك وأحاطَ به معنىً جاذب، وروحٌ جالب من شرارات جَذَبات توجهات جمهور المؤمنين، ومن رشاشات رشحات رشفات قلوب الموحّدين الشاربين ماءَ الحياة من عيون تلك الكلمات المباركة..

اعلم أنه قد تقرر في الأصول: «أن المثبِت يرجَّح على النافي». وسرُّه: أن النفي ينحصر في موضعه، والإثبات يتعدى. ولو نفى ألفٌ، وأثبته ألفٌ كان كلٌّ من المثبتين كألفٍ. بسرّ: أنه إذا رأى واحدٌ الشمسَ من مشكاةٍ، وآخر من أخرى، وهكذا؛ فكلٌّ يؤيد كُلا، لاتحاد المَرئي والمشهودِ مع تعدد المناظر.. وإذا لم يره واحدٌ لعدم المشكاة، وآخر لضعف البصر، وآخر لعدم النظر، وهكذا.. فقوةُ كلٍّ في نفسهِ فقط، والانتفاءُ عنده، لا يدل على الانتفاء في نفس الأمر، فلا يؤيد أحدٌ أحدا لاختلاف الأسباب مع تعدد المدَّعى؛ لأن الانتفاء مقيّدٌ عند النافي ب«عندي» مثلا.

فإذا تفهّمت هذا السر؛ فاعلم أن اتفاق كلّ أهل الضلالة والكفر على نفي مسألةٍ من المسائل الإيمانية، فاتفاقهم لا تأثير فيه، بل كحُكم واحدٍ. مع أنه حجةٌ قاصرة ينحصر على النافي فقط. وأما اتفاقُ أهل الهدى على المسائل الإيمانية فكلٌّ يتأيد بكلٍّ، كأن الكلَّ شواهد كلِّ واحدٍ.